الدجل في الرقية الشرعية.. عندما يتحول البحث عن الشفاء إلى باب للخوف والاستغلال

بقلم: الشيخ أحمد مدكور
تظل الرقية الشرعية في أصلها بابًا من أبواب التداوي المشروع واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى، إلا أن انتشار بعض الممارسات الخاطئة والدخيلة عليها ساهم في خلق حالة من الخلط بين الرقية القائمة على القرآن والسنة، وبين ممارسات أخرى تعتمد على الغموض والخوف واستغلال احتياجات الناس.
وتزداد خطورة هذا الأمر عندما يجد الإنسان نفسه أمام أشخاص يقدمون ادعاءات واسعة، أو يربطون كل أزمة أو مرض أو مشكلة أسرية بالسحر أو العين أو الجن، دون دليل واضح، وهو ما قد يدفع بعض الناس إلى الدخول في دائرة طويلة من القلق والشك والاعتماد على أشخاص بدلًا من التوجه إلى الله والأخذ بالأسباب المشروعة.
الرقية الشرعية ليست طقوسًا غامضة
إن الرقية الشرعية لا تقوم على الأسرار والطقوس الغامضة، وإنما أساسها كتاب الله سبحانه وتعالى، وما ثبت من أدعية وأذكار وهدي نبوي صحيح.
ومن هنا تأتي ضرورة تصحيح المفاهيم المغلوطة التي انتشرت في هذا الباب، والعودة إلى الأصل، والالتزام بالكتاب والسنة، ورفض كل ممارسة لا تستند إلى دليل شرعي صحيح.
فالهدف هو أن يعود الناس إلى القرآن والدعاء واليقين بالله، وألا يتحول بحث الإنسان عن الشفاء إلى رحلة بين الخرافات والمبالغات والادعاءات التي لا أصل لها.
الخوف أحد أخطر أبواب الدجل
من أخطر الأساليب التي يمكن أن يستخدمها الدجال تضخيم مخاوف الإنسان وإقناعه بأنه محاط بالمخاطر الخفية في كل جانب من جوانب حياته، حتى يصبح كل مرض أو خلاف أو تعثر أو مشكلة يواجهها مرتبطة في ذهنه بالسحر أو العين أو الجن.
ومع تكرار هذا الخطاب قد يبدأ الإنسان في تفسير كل ما يحدث حوله من خلال الخوف والشك، وهنا يصبح أكثر قابلية للاستغلال، وقد يتعلق بمن يقدم له تلك التفسيرات بصورة تتجاوز الحدود الصحيحة للرقية الشرعية.

حين يتحول الراقي إلى محور حياة المريض
من أبرز صور الخلل أن يصبح تعلق الإنسان بالراقي نفسه أكبر من تعلقه بالله سبحانه وتعالى، أو أن يعتقد أن الشفاء مرتبط بشخص معين، وأنه لا يستطيع التخلص مما يعاني منه إلا من خلاله.
فالراقي لا يملك الشفاء من ذاته، وإنما الشفاء بيد الله سبحانه وتعالى، والرقية سبب من الأسباب المشروعة التي يلجأ إليها المسلم مع صدق التوكل على الله.
ولهذا فإن أي ممارسة تؤدي إلى تعظيم الأشخاص بصورة غير منضبطة، أو منحهم قدرات لا دليل عليها، أو ادعاء معرفة أمور غيبية، يجب الحذر منها وعدم الانسياق وراءها.
الدجل لا يؤذي الفرد فقط
إن خطورة الدجل لا تتوقف عند الشخص الذي يبحث عن العلاج، بل قد تمتد آثاره إلى أسرته والمحيطين به، خاصة عندما تبدأ الاتهامات والشكوك بين الأقارب والأصدقاء بناءً على ظنون أو ادعاءات لا دليل عليها.
وقد تتسبب كلمة غير مسؤولة في إشعال خلاف داخل أسرة كاملة، عندما يُقال لشخص إن قريبًا أو صديقًا هو الذي تسبب له في السحر أو الأذى دون بينة أو دليل.
ومع مرور الوقت قد تتحول تلك الظنون إلى خصومات وقطيعة وشك مستمر، وربما يكون السبب الحقيقي للمشكلة بعيدًا تمامًا عن كل تلك الاتهامات.
ليس كل مرض سببه السحر أو العين
من الأخطاء التي يجب التنبيه إليها تفسير جميع الأمراض والمشكلات التي يواجهها الإنسان بأنها ناتجة عن السحر أو العين أو المس.
فالإيمان بما ثبت في القرآن والسنة أمر، وتحويل كل مشكلة في حياة الإنسان إلى تفسير غيبي بلا دليل أمر آخر.
كما ينبغي ألا تكون الرقية سببًا في إهمال الأسباب الأخرى المشروعة، ومنها مراجعة الأطباء والمتخصصين عند الحاجة، فالأخذ بالأسباب لا يتعارض مع التوكل على الله.
الوعي خط الدفاع الأول ضد الدجالين
تبدأ مواجهة الدجل في مجال الرقية من نشر العلم والوعي الصحيح، وتعريف الناس بالفارق بين الرقية المستندة إلى القرآن والسنة، وبين الممارسات التي تقوم على الادعاءات والخرافة واستغلال خوف المحتاجين.
فكلما امتلك الإنسان علمًا صحيحًا، أصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما هو مشروع وما هو دخيل على الدين.
كما أن العودة إلى القرآن والأذكار والدعاء تعيد الرقية إلى معناها الحقيقي، وتقلل مساحة الخوف التي يستغلها الدجالون للسيطرة على الناس.
الرقية باب للطمأنينة وليست صناعة للخوف
الأصل في الرقية أن تزيد الإنسان قربًا من الله سبحانه وتعالى، وأن تمنحه الطمأنينة واليقين وحسن التوكل عليه، لا أن تجعله يعيش أسيرًا للخوف والشك في كل من حوله.
ولهذا فإن الخطاب الصحيح في هذا الباب يجب أن يفرق بوضوح بين الإيمان بما ثبت في النصوص الشرعية وبين المبالغة والخرافة وإطلاق الأحكام والاتهامات دون دليل.
العودة إلى الأصل
إن مواجهة الدجل لا تكون بإنكار الرقية الشرعية، وإنما بتنقيتها من الممارسات التي أُلصقت بها وليست منها، وإعادة الناس إلى الأصل الصحيح: كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والدعاء، والأذكار، واليقين بأن النفع والضر والشفاء كلها بيد الله وحده.
فلا ينبغي أن يتحول بحث الإنسان عن الشفاء إلى باب يدخل منه الخوف والاستغلال، ولا أن تتحول الرقية إلى تجارة قائمة على أوهام الناس ومعاناتهم.
والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل بيت هي أن الرقية الشرعية ليست عالمًا من الأسرار يحتكره أشخاص بعينهم، وإنما عبادة ولجوء إلى الله، وكلما تمسك الإنسان بالكتاب والسنة وابتعد عن الخرافة والمبالغات، ضاقت المساحة أمام الدجالين والمتاجرين بآلام الناس.
الكاتب: الشيخ أحمد مدكور
باحث في علوم الرقية الشرعية والعقيدة، ومهتم بتصحيح المفاهيم المغلوطة في هذا الباب.


