اخبار العالم

هوية القائد.. كيف نبني الشخصية القيادية لدى طلاب المرحلة الثانوية؟

بقلم: كوتش بسمة الدسوقي
كوتش الهوية الشخصية للمراهقين | مرشد نفسي وتربوي | عضو أمانة الصحة النفسية بحزب الوعي

عندما يصل المراهق إلى المرحلة الثانوية، فإنه لا ينتقل فقط من مرحلة تعليمية إلى أخرى، بل يدخل مرحلة شديدة الأهمية في تشكيل نظرته إلى نفسه وإلى العالم من حوله.

ففي هذه السن، يبدأ المراهق في طرح أسئلة أكثر عمقًا عن ذاته: من أنا؟ ماذا أريد؟ ما الذي أتميز به؟ وكيف أريد أن يراني الآخرون؟

وهنا تبدأ واحدة من أهم مراحل بناء الهوية الشخصية؛ إذ لم يعد المراهق يريد فقط أن يعرف ما هو مطلوب منه، بل أصبح بحاجة إلى أن يفهم من يكون هو، وما الذي يؤمن به، وما المسؤوليات التي يستطيع تحملها.

ومن هذا المنطلق، فإن بناء الشخصية القيادية لدى طلاب المرحلة الثانوية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تدريبًا على التحدث أمام الآخرين أو تولي المناصب، وإنما باعتباره مسارًا تربويًا يساعد المراهق على قيادة ذاته، وبناء ثقته بنفسه، واتخاذ قراراته بوعي، وتحمل نتائج اختياراته.

فالقيادة تبدأ من الداخل قبل أن تظهر في التعامل مع الآخرين.

القيادة ليست صوتًا مرتفعًا ولا حضورًا صاخبًا

من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح أن القائد هو دائمًا الشخص الأكثر كلامًا، أو الأكثر جرأة، أو الأكثر قدرة على جذب الانتباه.

لكن الواقع مختلف.

قد يكون الطالب الهادئ قائدًا ممتازًا، وقد يكون الطالب الذي لا يحب الظهور أمام الآخرين صاحب قدرة كبيرة على التحليل واتخاذ القرار، وقد يكون آخر أكثر تميزًا في الاستماع والاحتواء وحل الخلافات.

فالقيادة ليست قالبًا واحدًا، وإنما تتعدد أنماطها وفقًا لاختلاف الشخصيات والقدرات.

هناك القائد المحفز الذي يمنح الآخرين الطاقة والدافعية، والقائد التحليلي الذي يتميز بالتفكير المنظم ودراسة المشكلات قبل اتخاذ القرار، والقائد الداعم الذي يجيد الاستماع وفهم الآخرين ومساندتهم.

لذلك، فإن الهدف التربوي ليس أن نجعل جميع المراهقين متشابهين، وإنما أن نساعد كل مراهق على اكتشاف نقاط قوته وبناء أسلوبه القيادي الخاص.

المراهق يحتاج إلى فرصة.. لا إلى نسخة جاهزة

أحيانًا نريد لأبنائنا أن يصبحوا الصورة التي رسمناها نحن للنجاح.

نريد الطالب المتفوق، والمتحدث الجيد، والاجتماعي، والجريء، وصاحب الحضور القوي.

لكن السؤال الأهم هو: هل هذه الصورة تناسب شخصيته فعلًا؟

بناء الهوية القيادية لا يحدث عندما نفرض على المراهق شخصية معينة، وإنما عندما نمنحه مساحة آمنة لاكتشاف ذاته.

فالمراهق يحتاج إلى أن يجرب، وأن يختار، وأن يخطئ، وأن يعيد المحاولة، وأن يكتشف من خلال التجربة ما يستطيع فعله وما يحتاج إلى تطويره.

وهنا تتحول التربية من «سأخبرك من يجب أن تكون» إلى «سأساعدك على اكتشاف من تستطيع أن تكون».

وهذا التحول البسيط في طريقة التعامل قد يصنع فارقًا كبيرًا في بناء شخصية المراهق.

الخطأ ليس عدوًا للقيادة

لا يمكن أن نتحدث عن شخصية قيادية دون أن نتحدث عن القدرة على التعامل مع الخطأ والفشل.

فالمراهق الذي يخاف من الخطأ قد يتجنب اتخاذ القرار، والمراهق الذي يتعلم أن كل خطأ يستحق العقاب قد يفضل دائمًا أن يترك الآخرين يقررون عنه.

لذلك، يحتاج المراهق إلى تجارب حقيقية يتحمل فيها قدرًا مناسبًا من المسؤولية؛ كالمشاركة في التخطيط، أو إدارة مهمة، أو العمل ضمن فريق، أو اتخاذ قرار مناسب لسنه.

وعندما لا تسير الأمور كما كان متوقعًا، فإن دور الأسرة والمربي لا ينبغي أن يكون إصدار الأحكام، بل مساعدة المراهق على تحليل التجربة.

بدلًا من سؤال: «لماذا فعلت ذلك؟»، يمكن أن نسأل:

«ماذا حدث؟»
«ما الذي نجح؟»
«ما الذي لم ينجح؟»
«ماذا تعلمت؟»
«ماذا ستفعل بطريقة مختلفة في المرة القادمة؟»

بهذه الطريقة، يتحول الخطأ من مصدر للخوف إلى مصدر للتعلم، وتتحول التجربة إلى مساحة لبناء النضج وتحمل المسؤولية.

الأسرة.. أول بيئة لبناء القائد

قبل أن يبحث المراهق عن التقدير خارج المنزل، يحتاج إلى أن يشعر بأن له قيمة داخل أسرته.

والأسرة التي تستمع إلى أبنائها، وتحترم أفكارهم، وتمنحهم مساحة مناسبة للاختيار، تساعدهم على بناء علاقة أكثر توازنًا مع أنفسهم.

أما المقارنة المستمرة، والسخرية من الأفكار، واتخاذ جميع القرارات نيابة عن المراهق، فقد تدفعه إلى الاعتماد الزائد على رأي الآخرين والبحث الدائم عن القبول الخارجي.

وهنا لا يعني التمكين أن نترك المراهق يفعل ما يشاء دون حدود، وإنما يعني أن نمنحه حرية مناسبة لسنه داخل إطار واضح من المسؤولية والقيم.

فمن المهم أن يتعلم المراهق أن صوته مسموع، لكن عليه في الوقت نفسه أن يتعلم أن لكل اختيار نتيجة، ولكل مسؤولية التزامًا.

المدرسة والمعلم.. من التعليم إلى اكتشاف الإمكانات

المدرسة ليست مكانًا للتحصيل الدراسي فقط، وإنما بيئة اجتماعية يتعلم فيها المراهق كيف يتعاون، ويناقش، ويختلف، ويقود، ويتحمل المسؤولية.

ولهذا، فإن دور المعلم لا يقتصر على تقديم المعلومات، بل يمتد إلى اكتشاف قدرات الطلاب وإتاحة الفرص أمامهم للتعبير عنها.

فالأنشطة الطلابية، والمشروعات الجماعية، والعمل التطوعي، والاتحادات الطلابية، والمبادرات المدرسية، كلها مساحات يمكن من خلالها اكتشاف قدرات قيادية قد لا تظهر داخل الفصل الدراسي التقليدي.

والطالب الذي يجد فرصة للتخطيط، وتوزيع الأدوار، وحل مشكلة، وعرض فكرة، وتحمل نتيجة قراره، يتعلم القيادة بصورة عملية أكثر من أي تعريف نظري لها.

لا تجعلوا الدرجات تختصر شخصية المراهق

التفوق الأكاديمي قيمة مهمة، لكنه لا يختصر إمكانات الإنسان.

فقد يكون الطالب متميزًا في الدراسة، بينما يحتاج إلى تطوير مهارات التواصل أو اتخاذ القرار.

وقد لا يكون طالب آخر من أصحاب الدرجات المرتفعة، لكنه يمتلك قدرة مميزة على العمل الجماعي أو حل المشكلات أو التأثير الإيجابي في زملائه.

ولهذا، فإن تقييم المراهق يجب ألا يتوقف عند السؤال: «كم حصلت في الامتحان؟»

بل من المهم أيضًا أن نسأل:

كيف يتعامل مع الآخرين؟
هل يستطيع تحمل المسؤولية؟
هل يستطيع التعبير عن رأيه باحترام؟
هل يتقبل الاختلاف؟
هل يستطيع الاعتراف بخطئه؟
هل يستطيع اتخاذ قرار وتحمل نتيجته؟

هذه المهارات جزء أساسي من بناء شخصية متوازنة وقادرة على القيادة.

الوعي بالذات.. نقطة البداية

لا يمكن للمراهق أن يقود الآخرين بصورة ناضجة إذا لم يتعلم أولًا كيف يفهم نفسه.

والوعي بالذات لا يعني أن يعرف المراهق نقاط قوته فقط، وإنما أن يدرك أيضًا نقاط ضعفه، ومشاعره، واحتياجاته، وقيمه، وما يؤثر في قراراته.

وهنا يمكن للأسرة والمربي استخدام أسئلة بسيطة لكنها عميقة، مثل:

«ما الشيء الذي تشعر أنك جيد فيه؟»
«ما المهارة التي تتمنى تطويرها؟»
«متى تشعر أنك أكثر ثقة بنفسك؟»
«ما الموقف الذي تتمنى لو تعاملت معه بطريقة مختلفة؟»
«لو استطعت أن تحدث تغييرًا واحدًا في مدرستك أو مجتمعك، ماذا سيكون؟ ولماذا؟»

هذه الأسئلة لا تقدم للمراهق شخصية جاهزة، وإنما تساعده على اكتشافها.

بين القيادة والاستعراض

في عصر أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من حياة المراهق، أصبح التفريق بين التأثير الحقيقي والرغبة في الظهور أكثر أهمية من أي وقت مضى.

فعدد المتابعين لا يصنع قائدًا، وانتشار المحتوى لا يعني بالضرورة تأثيرًا إيجابيًا، والقدرة على جذب الانتباه لا تعني القدرة على تحمل المسؤولية.

القائد الحقيقي لا يحتاج إلى إثبات نفسه طوال الوقت.

هو الشخص الذي يستطيع أن يستمع كما يتحدث، وأن يعترف بخطئه كما يدافع عن رأيه، وأن يحترم المختلف عنه، وأن يستخدم تأثيره في بناء الآخرين لا التقليل منهم.

وهنا يأتي دورنا في تعليم المراهق أن قيمته لا تتحدد بحجم التصفيق الذي يحصل عليه من الآخرين، وإنما بما يبنيه في نفسه وما يضيفه إلى من حوله.

من صناعة القائد إلى تمكين الإنسان

في النهاية، ربما لا يكون الهدف الحقيقي هو أن نجعل كل مراهق «قائدًا» بالمعنى التقليدي للكلمة.

الهدف الأعمق هو أن نساعده على أن يصبح إنسانًا واعيًا بذاته، مستقلًا في تفكيره، مسؤولًا عن اختياراته، وقادرًا على التأثير الإيجابي في محيطه.

فحين نمنح المراهق فرصة للاختيار، ونسمح له بالتجربة، ونعلمه كيف يتعامل مع الخطأ، ونساعده على فهم نقاط قوته، ونحترم اختلاف شخصيته، فإننا لا نبني قائدًا فقط، بل نبني شخصية أكثر اتزانًا واستقلالًا وقدرة على مواجهة الحياة.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس:

«كيف نجعل أبناءنا قادة؟»

بل:

«كيف نساعد كل مراهق على اكتشاف القائد الموجود بداخله، دون أن نفقده هويته الخاصة؟»

فالقيادة الحقيقية لا تبدأ من الرغبة في السيطرة على الآخرين، ولا من البحث عن التصفيق، وإنما تبدأ من معرفة الإنسان لنفسه، وقدرته على قيادة ذاته، وتحمل مسؤولية اختياراته، وتحويل إمكاناته إلى أثر إيجابي في حياة من حوله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى